الشيخ محمد رشيد رضا

307

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وكان الظاهر أن يقال : مكناهم في الأرض - أي القرون - ما لم نمكنهم - أي الكفار المحكي عنهم المستفهم عن حالهم . فعدل عن ذلك بالالتفات عن الغيبة إلى الخطاب لما في إيراد الفعلين بضميري الغيبة من إيهام اتحاد مرجعهما وكون المثبت عين المنفي ، فقيل ما لم نمكن لكم : وإنما لم يقل « ما لم نمكنكم » أو : « ومكنا لهم ما لم نمكن لكم » - وهو مقتضى المطابقة - لنكتة دقيقة لا يدركها لا من فقه الفرق بين مكنه ومكن له وقد غفل عنه جماهير أهل اللغة والتفسير ، والتحقيق ان معنى مكنه في الأرض أو في الشيء - جعله متمكنا من التصرف تام الاستقلال فيه . وأما مكن له فقد استعمل في القرآن مع التصريح بالمفعول به ومع حذفه ، فالأول كقوله تعالى ( وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ ) وقوله ( أَ وَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً ) والثاني كقوله تعالى ( كَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ ) * وقوله في ذي القرنين ( إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً ) فلا بد في مثل هذا من تقدير المفعول المحذوف مع مراعاة ما يناسب ذلك من نكت الحذف ككون المفعول في هاتين الآيتين عاما يتناول كل ما يصلح للمقام ، كان يقال مكنا ليوسف ولذي القرنين في الأرض جميع أسباب الاستقلال في التصرف ، إذا فقهت هذا فاعلم أن في هذه الآية احتباكا تقديره « مكناهم في الأرض ما لم نمكنكم ، ومكنا لهم ما لم نمكن لكم » ومعنى الأول انهم كانوا أشد منكم قوة وتمكنا في أرضهم ، فلم يكن يوجد حولهم من يضارعهم في قوتهم ، ويقدر على سلب استقلالهم ، ومعنى الثاني أننا أعطيناهم من أسباب التمكن في الأرض وضروب التصرف وأنواع النعم ما لم نعطكم . فحذف من كل من المتقابلين ما أثبت نظيره في الآخر ، وهذا من أعلى فنون الايجاز ، الذي وصل في القرآن إلى أوج الاعجاز ، ويصدق كل من التمكينين على قوم عاد وثمود وقوم فرعون وغيرهم كما يعلم من قصص الرسل في القرآن ومن التاريخ العام ثم عطف على هذا ما امتازت به تلك القرون على كفار قريش من النعم الإلهية الخاصة بمواقع بلادهم من الأرض فقال وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْراراً إرسال السماء عبارة عن إنزال المطر ، والمدرار الغزير كما تقدم وَجَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ